ابن خلكان

66

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ما عرفنا هذا منه ولا ادعاه ولا عرف بالعلم ولا يحسن الكتابة ولا خالط اليهود والنصارى ، فقال الراهب : هذا هو النبي نفسه . وقيل إن الراهب قال لأبي بكر : وأنت الخليفة من بعده على أهل دينه . فرجع أبو بكر من عند الراهب ولم يشعر أحدا من رفقته بما قال له الراهب ، فلما قدم مكة قالت له أمه سلمى أم الخير : ما بلغك ما حدث من صديقك محمد ؟ زعم أنه نبي نبّأه اللّه وأرسله إلى قومه وكافة الخلق ، فقال لها : وأين هو ؟ قالت : بجبل حراء ، فأسرع أبو بكر رضي اللّه عنه نحو الجبل فرآه في غار فسلّم عليه وقال : بلغني أنك ادعيت النبوة والرسالة ، فقال له : لست بمدّع ، وقد فعل اللّه ذلك بي ، قال له : فما الدليل على صدقك ؟ قال : هل خرجت علي كذبا ؟ قال : لا واللّه ، غير أن هذا أمر لا يقبل بغير دليل ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : دليله ما قاله لك الراهب ، قال أبو بكر : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد انك رسول اللّه ، أنا أول متابع لك على هذا الأمر . وهو أول من أمّ في محراب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حياته ، وأول من دعي بخليفة ، وأول من رقي منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال الشعبي : لما ولي أبو بكر الخلافة صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس اني وليتكم ولست بخيركم ولكن نزل القرآن فأدّبنا فتأدّبنا ، وسنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فعلّمنا فتعلمنا ، وان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور ، وان أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه ، وان أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق . إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، فإن أحسنت فأعينوني وان زغت فسددوني . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين . ولما تم الأمر لأبي بكر رضي اللّه عنه ارتدت العرب إلا قليلا منهم ، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ثلاثة : الأسود بن كعب العنسي ومسيلمة الكذاب - واسمه ثمامة بن حبيب - وطليحة الأسدي . فأما الأسود فإنه غلب على صنعاء ونجران إلى عمل الطائف واستطار استطارة الحريق فكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمر بقتله فقتله فيروز الديلمي في منزله ، وجاء